أيقونات صفحات التواصل الإجتماعي


تقرع طبول حرب منذ أشهر على أبواب أوروبا عشرات الآلاف من الجنود الروس بأسلحتهم حشدوا على القرب من أوكرانيا على جبهتين الروسية من جهة وجبهة حليفهم الإيديولوجي بيلاروسيا من جهة أخرى.

تصريحات إعلامية من قادة الدول الغربية ومعلومات استخبارتية تؤكد الغزو وزيارة لكل من وزير الخارجية الأمريكي ورئيس وزراء بريطانيا لكييف في اقل من أسبوع.

لكن هذه ليست أول مواجهة بين الجارتين روسيا وأوكرانيا فمنذ التسعينيات لم تنم عين موسكو عن كييف فما السر وراء السعي الروسي الدائم للسيطرة على أوكرانيا ؟ وهل تتورط المنطقة في غزو وحرب طويلة ؟

مع تفكك الاتحاد السوفيتي وسقوط الجدار الحديدي بمفهومه فترة الحرب الباردة، برز جدار حديدي جديد مكون من دول شرق أوروبا كمنطقة عازلة بين القوتين الأكبر في المنطقة روسيا من جهة وقوة أوروبا العسكرية المتمثلة في حلف شمال الأطلسي الناتو من جهة أخرى.

موسكو سعت إلى جذب دول شرق أوروبا نحوها أو حتى بسط النفوذ عليها بشكل من الأشكال لكي تكون قوتها وسياستها هي المهدد للجارة الأوروبية اللدودة وليس العكس، وإحدى أهم تلك الدول هي أوكرانيا التي كانت جزء من الامبراطورية الروسية ثم جمهورية سوفيتية قبل أن تصبح دولة مستقلة عام 1991 وأوكرانيا ليست عضو في الاتحاد الأوروبي ولا في الناتو حتى الآن لكن تسعى لذلك.

تجمع أوكرانيا وروسيا علاقات اجتماعية وثقافية عميقة، تعد اللغة الروسية فيها ثان أكثر اللغات تداولا في البلاد ولطالما حاولت روسيا منذ التسعينات إبعادها عن الانضمام لأي من المؤسسات الأوروبية.

تنظر موسكو إلى الأوكرانيين باعتبارهم شعب واحد مع الروس، لكن يعيشون في دولة فاشلة غير قادرة على توفير ابسط حاجياتهم الأساسية دولة تتحكم بها قوة غربية تسعى لتفتيت عالم ما بعد الاتحاد السوفيتي.

عام 2004 اندلعت ثورة شعبية عارمة في أوكرانيا عرفت بالثورة البرتقالية نادت بوقف كافة أشكال التدخل الروسي في البلاد وبمحاربة الفساد وبناء مؤسسات تحقق آمال الشعب الأوكراني، لكن ذلك لم يحدث تماما فبعد نحو عشرة سنوات من الثورة البرتقالية عاد الأوكرانيون إلى الشوارع  للتظاهر والاحتجاج وتحولت الأمر بسرعة إلى غضب شعبي عارم بلغ ذروته في فيفري/فبراير 2014.

الثورة الأوكرانية سنة 2014 قامت أساسا ضد فيكتور يانوكوفيتش، وهو الشخص الذي وصل إلى سدة الحكم في انتخابات 2010 ورغم انه عرف بولاءه للجارة روسيا لكنه بدأ مفاوضات للشراكة الاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي عام 2012 الاتفاق كان يضم شراكة سياسية واندماجا اقتصاديا ويمتد لحقوق مساوية للعمال وحرية تنقل للأفراد ولاحقا سياسية مشتركة للأمن والدفاع لكن فيكتور تراجع ورفض إمضاء الاتفاقية وفضل دعما روسيا في الطاقة والمال بالمقابل وذلك في نوفمبر 2013.

فاشتعلت المظاهرات والاحتجاجات في البلاد مظاهرات تدعو للتقرب من أوروبا والتحرر من التبعية الروسية واشتدت الاحتجاجات حتى هرب الرئيس الأوكراني إلى روسيا وصوت البرلمان على إعفائه من مهامه، لكن داخل أوكرانيا كان هناك رأي أخر خاصة في شرق البلاد وتحديدا منطقة الدونباس أين تظاهر أوكرانيون مدعومون من قوات مسلحة انفصالية مناهضة للحكومة وتحمل مشاعر حنين إلى روسيا والماضي السوفيتي.

ندد هؤلاء بالسيطرة على البلاد من قبل السياسيين الراغبين في الانضمام للمعسكر الأوروبي ثم تحولت الاحتجاجات إلى نزاع مسلح بين القوات الانفصالية والجيش الأوكراني دعمت فيه روسيا الانفصاليين بالعدة والعتاد واشتعلت المنطقة في حرب دامية وانقسمت منطقة دونباس بين سيطرة الانفصاليين وسيطرة الحكومة وسقط ألاف القتلى وهجر عشرات الآلاف حتى وقع اتفاق مينسك عام 2015 لوقف إطلاق النار لكن صوت المدافع لم يهدئ في المنطقة حتى تاريخ كتابة هذه الأسطر.

أما في جنوب البلاد فأرادت روسيا اقتناص لحظة الفراغ السياسي في البلاد والحفاظ على اسطوالها العسكري في شبه جزيرة القرم ذات الأهمية الإستراتيجية بسبب موقعها المركزي في البحر الأسود ومن ثم سارعت للسيطرة على المنطقة وأعلنت إجراء استفتاء لتقرير المصير بين سكان القرم لم يعترف به المجتمع الدولي انتهى بالانضمام إلى روسيا يوم 18 مارس 2014 في واحدة من اكبر عمليات انتزاع الأراضي التي شهدتها أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.

بعد كل ما سبق مازلت موسكو ترغب في المزيد وأوكرانيا تنظر بعيدا نحو أوروبا عام 2019 أقرت أوكرانيا تعديلات دستورية تؤكد التمسك بسياسة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو روسيا ترى في ذلك خطرا كبيرا عليها خاصة لو نشرت في أوكرانيا قوات للناتو أو صواريخ دفاعية أو طائرات هجومية ويبدو أن قادة روسيا وعلى رأسهم بوتين ضاقوا ذرعا بهذا التقارب الأوكراني الغربي المتزايد فمنذ منتصف 2021 بدا الدب الروسي في حشد قوات كبيرة إلى الحدود مع أوكرانيا وصل عددها إلى 175 ألف جندي مدعومين بالدبابات والمدفعية.

تقارير الاستخبارات الغربية تشير إلى احتمالية غزو روسي وشيك لأوكرانيا في وقت ما من عام 2022 هذا الغزو لو حدث يعتقد أن يكون اخطر من غزو عام 2014 الذي ضمت فيه موسكو القرم ودعمت الانفصاليين في الشرق وبعض التحليلات تشير إلى أن روسيا ترى أن الفرصة مناسبة لتوسعها لعدة أسباب :

·       الرغبة في تكرار التجربة فمنذ سيطرة روسيا على مساحات واسعة من أوكرانيا عام 2014 لم تنجح التهديدات والعقوبات الغربية في إضعاف موقفها حتى أنها منحت جوازات سفر روسية لأكثر من 600 ألف شخص في دونباس شرق أوكرانيا.

·       الإيمان الروسي بفشل الدبلوماسية في حالة أوكرانيا فالرئيس الجديد فولوديمر زلنسكي رشح نفسه في الانتخابات الرئاسية متعهدا بفتح باب الحوار والمفاوضات مع روسيا لكنه تراجع بعد صعوده لسدة الحكم وبدل منهجه وعزز من التقارب مع الغرب وضعف من مساعيه للانضمام للاتحاد الأوروبي والناتو.

·       الشك في الدعم الغربي خاصة من الولايات المتحدة التي أظهرت في أكثر من مرة تخبطا وضعف في وعودها وحماية حلفائها أخرها كان الانسحاب الفوضوي من أفغانستان لذلك قد يسعى الدب الروسي لاستغلال الفرق بين أقوال العم سام وأفعاله على الأرض.

مهما كان قرر بوتين في إطلاق شرارة الحرب أو لا فان أكثر من 40 مليون ساكن في أوكرانيا يعيشون في قلق وريبة مستمرة منذ سنوات والخوف من أن يناموا وهم جزء من أوروبا ليستيقظوا جزء من روسيا.

بقلم نزار الجويني

التصعيد بين روسيا وأوكرانيا لماذا الآن ؟ وهل يقوم بوتين بإنشاء جدار حديدي جديد شرقي أوروبا ؟


تقرع طبول حرب منذ أشهر على أبواب أوروبا عشرات الآلاف من الجنود الروس بأسلحتهم حشدوا على القرب من أوكرانيا على جبهتين الروسية من جهة وجبهة حليفهم الإيديولوجي بيلاروسيا من جهة أخرى.

تصريحات إعلامية من قادة الدول الغربية ومعلومات استخبارتية تؤكد الغزو وزيارة لكل من وزير الخارجية الأمريكي ورئيس وزراء بريطانيا لكييف في اقل من أسبوع.

لكن هذه ليست أول مواجهة بين الجارتين روسيا وأوكرانيا فمنذ التسعينيات لم تنم عين موسكو عن كييف فما السر وراء السعي الروسي الدائم للسيطرة على أوكرانيا ؟ وهل تتورط المنطقة في غزو وحرب طويلة ؟

مع تفكك الاتحاد السوفيتي وسقوط الجدار الحديدي بمفهومه فترة الحرب الباردة، برز جدار حديدي جديد مكون من دول شرق أوروبا كمنطقة عازلة بين القوتين الأكبر في المنطقة روسيا من جهة وقوة أوروبا العسكرية المتمثلة في حلف شمال الأطلسي الناتو من جهة أخرى.

موسكو سعت إلى جذب دول شرق أوروبا نحوها أو حتى بسط النفوذ عليها بشكل من الأشكال لكي تكون قوتها وسياستها هي المهدد للجارة الأوروبية اللدودة وليس العكس، وإحدى أهم تلك الدول هي أوكرانيا التي كانت جزء من الامبراطورية الروسية ثم جمهورية سوفيتية قبل أن تصبح دولة مستقلة عام 1991 وأوكرانيا ليست عضو في الاتحاد الأوروبي ولا في الناتو حتى الآن لكن تسعى لذلك.

تجمع أوكرانيا وروسيا علاقات اجتماعية وثقافية عميقة، تعد اللغة الروسية فيها ثان أكثر اللغات تداولا في البلاد ولطالما حاولت روسيا منذ التسعينات إبعادها عن الانضمام لأي من المؤسسات الأوروبية.

تنظر موسكو إلى الأوكرانيين باعتبارهم شعب واحد مع الروس، لكن يعيشون في دولة فاشلة غير قادرة على توفير ابسط حاجياتهم الأساسية دولة تتحكم بها قوة غربية تسعى لتفتيت عالم ما بعد الاتحاد السوفيتي.

عام 2004 اندلعت ثورة شعبية عارمة في أوكرانيا عرفت بالثورة البرتقالية نادت بوقف كافة أشكال التدخل الروسي في البلاد وبمحاربة الفساد وبناء مؤسسات تحقق آمال الشعب الأوكراني، لكن ذلك لم يحدث تماما فبعد نحو عشرة سنوات من الثورة البرتقالية عاد الأوكرانيون إلى الشوارع  للتظاهر والاحتجاج وتحولت الأمر بسرعة إلى غضب شعبي عارم بلغ ذروته في فيفري/فبراير 2014.

الثورة الأوكرانية سنة 2014 قامت أساسا ضد فيكتور يانوكوفيتش، وهو الشخص الذي وصل إلى سدة الحكم في انتخابات 2010 ورغم انه عرف بولاءه للجارة روسيا لكنه بدأ مفاوضات للشراكة الاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي عام 2012 الاتفاق كان يضم شراكة سياسية واندماجا اقتصاديا ويمتد لحقوق مساوية للعمال وحرية تنقل للأفراد ولاحقا سياسية مشتركة للأمن والدفاع لكن فيكتور تراجع ورفض إمضاء الاتفاقية وفضل دعما روسيا في الطاقة والمال بالمقابل وذلك في نوفمبر 2013.

فاشتعلت المظاهرات والاحتجاجات في البلاد مظاهرات تدعو للتقرب من أوروبا والتحرر من التبعية الروسية واشتدت الاحتجاجات حتى هرب الرئيس الأوكراني إلى روسيا وصوت البرلمان على إعفائه من مهامه، لكن داخل أوكرانيا كان هناك رأي أخر خاصة في شرق البلاد وتحديدا منطقة الدونباس أين تظاهر أوكرانيون مدعومون من قوات مسلحة انفصالية مناهضة للحكومة وتحمل مشاعر حنين إلى روسيا والماضي السوفيتي.

ندد هؤلاء بالسيطرة على البلاد من قبل السياسيين الراغبين في الانضمام للمعسكر الأوروبي ثم تحولت الاحتجاجات إلى نزاع مسلح بين القوات الانفصالية والجيش الأوكراني دعمت فيه روسيا الانفصاليين بالعدة والعتاد واشتعلت المنطقة في حرب دامية وانقسمت منطقة دونباس بين سيطرة الانفصاليين وسيطرة الحكومة وسقط ألاف القتلى وهجر عشرات الآلاف حتى وقع اتفاق مينسك عام 2015 لوقف إطلاق النار لكن صوت المدافع لم يهدئ في المنطقة حتى تاريخ كتابة هذه الأسطر.

أما في جنوب البلاد فأرادت روسيا اقتناص لحظة الفراغ السياسي في البلاد والحفاظ على اسطوالها العسكري في شبه جزيرة القرم ذات الأهمية الإستراتيجية بسبب موقعها المركزي في البحر الأسود ومن ثم سارعت للسيطرة على المنطقة وأعلنت إجراء استفتاء لتقرير المصير بين سكان القرم لم يعترف به المجتمع الدولي انتهى بالانضمام إلى روسيا يوم 18 مارس 2014 في واحدة من اكبر عمليات انتزاع الأراضي التي شهدتها أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.

بعد كل ما سبق مازلت موسكو ترغب في المزيد وأوكرانيا تنظر بعيدا نحو أوروبا عام 2019 أقرت أوكرانيا تعديلات دستورية تؤكد التمسك بسياسة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو روسيا ترى في ذلك خطرا كبيرا عليها خاصة لو نشرت في أوكرانيا قوات للناتو أو صواريخ دفاعية أو طائرات هجومية ويبدو أن قادة روسيا وعلى رأسهم بوتين ضاقوا ذرعا بهذا التقارب الأوكراني الغربي المتزايد فمنذ منتصف 2021 بدا الدب الروسي في حشد قوات كبيرة إلى الحدود مع أوكرانيا وصل عددها إلى 175 ألف جندي مدعومين بالدبابات والمدفعية.

تقارير الاستخبارات الغربية تشير إلى احتمالية غزو روسي وشيك لأوكرانيا في وقت ما من عام 2022 هذا الغزو لو حدث يعتقد أن يكون اخطر من غزو عام 2014 الذي ضمت فيه موسكو القرم ودعمت الانفصاليين في الشرق وبعض التحليلات تشير إلى أن روسيا ترى أن الفرصة مناسبة لتوسعها لعدة أسباب :

·       الرغبة في تكرار التجربة فمنذ سيطرة روسيا على مساحات واسعة من أوكرانيا عام 2014 لم تنجح التهديدات والعقوبات الغربية في إضعاف موقفها حتى أنها منحت جوازات سفر روسية لأكثر من 600 ألف شخص في دونباس شرق أوكرانيا.

·       الإيمان الروسي بفشل الدبلوماسية في حالة أوكرانيا فالرئيس الجديد فولوديمر زلنسكي رشح نفسه في الانتخابات الرئاسية متعهدا بفتح باب الحوار والمفاوضات مع روسيا لكنه تراجع بعد صعوده لسدة الحكم وبدل منهجه وعزز من التقارب مع الغرب وضعف من مساعيه للانضمام للاتحاد الأوروبي والناتو.

·       الشك في الدعم الغربي خاصة من الولايات المتحدة التي أظهرت في أكثر من مرة تخبطا وضعف في وعودها وحماية حلفائها أخرها كان الانسحاب الفوضوي من أفغانستان لذلك قد يسعى الدب الروسي لاستغلال الفرق بين أقوال العم سام وأفعاله على الأرض.

مهما كان قرر بوتين في إطلاق شرارة الحرب أو لا فان أكثر من 40 مليون ساكن في أوكرانيا يعيشون في قلق وريبة مستمرة منذ سنوات والخوف من أن يناموا وهم جزء من أوروبا ليستيقظوا جزء من روسيا.

بقلم نزار الجويني

ليست هناك تعليقات