أيقونات صفحات التواصل الإجتماعي


عاشت تونس أمس على وقع الفيضانات الطوفانية و الغير مسبوقة التي عرفتها البلاد خاصة منطقة الوطن القبلي و تحديدا نابل التي عرفت الكارثة بوفاة 4 أشخاص نتيجة للارتفاع التاريخي لمنسوب المياه و التي لم تعرفه الولاية منذ ستينات القرن الماضي و لا تعتبر هذه الظاهرة الطبيعية أمر غير اعتيادي أو مستحدث إذا عَرفت تونس الفيضانات مُنذ القدم، مثلها مثل باقي بلاد العالم بما في ذلك الدول العظمة و المتقدمة ولكن لنبتعد قليل عن المشاعر و ردود الفعل التي تطغى عليها العاطفة فالحقيقة التي لا يمكن جدالها هي أنه مهما تطوّر العلم فإن مسألة منع الفيضانات هي مستحيلة حتى يومنا هذا، فلا "الحاكم التونسي" ولا حتى "الدول الصناعية" يمكنها منع الفيضانات، ويبقى الخيار الأفضل هو الإنفاق على تقنيات و أسلحة مواجهة الفيضانات كي نحد المخاطر الناجمة عن السيول . ولو تأملنا تونس عموماً و نابل خاصّة سنجد انه رغم شح الإمكانات فإن إتباع تدابير بسيطة يُمكن أن يمنع مخاطر كثيرة و يجنبنا في المستقبل ما حدث مؤخرا مثل: مشروع تنظيف شبكة المجاري التي خربت بفعل الزمن و لم يتم صيانتها منذ " الثورة " أو يمكننا إنشاء حوض لتجميع مياه الأمطار على غرار السدود والتي لا و لن تحتمل كميات أمطار هائلة مثل التي شاهدناها . 

ما إن عمّت الفيضانات نابل ، حتى انطلق البعض يلوم " الحاكم " بكل ما يحصل، ومع أن الجهات الرسمية مقصّرة في هذا المضمار و هذا واقع مرير تعودنا عليه و لن يتغير حتى في المستقبل البعيد إلا انه لا يمكن لومها وحدها على ما حدث و سيحدث للأسف، فالفيضانات ظاهرة طبيعية ومعروفة منذ فجر التاريخ و شهدت تونس الكثير منها على غرار فيضانات سنوات 1969 و 1986 و 2007 .

بلا شك فإن تونس و الدول النامية ليست وحدها المعرضّة للفيضانات فألمانيا مثلا كذلك شهدت الكثير من الفيضانات عبر تاريخها وفي عام 2002 غرقت مدينة درسدين في شرقي ألمانيا، الأمر الذي تسبب بأضرار هائلة ماديا و بشريا وبلغ عدد ضحايا الفيضان 38 شخصاً و في عام 2013 عرفت فيضانات عمّت مناطق متعددة في شرقي البلاد و راح ضحيتها وقتها 8 أشخاص و لا نستطيع القول أن بإمكان التقنيّات الألمانية المتطورة أن تمنع أي نوع من الفيضانات و السيول الجارفة ، فالواقع وكما يقول البروفيسور شترومبف من جامعة آخن التقنية، فإن الفيضانات هي ظاهرة طبيعية ولا يُمكن منعها ولكن بالإمكان التقليل من حجم مخاطرها إلى حد حصرها في الخسائر المادية الطفيفة و تفادي سقوط الأرواح البشرية و انهيار مؤسسات كبيرة لها مكانة اقتصادية هامة .

في ألمانيا يتم مواجهة الفيضانات فيما يُعرف بإستراتيجية مواجهة الفيضانات Hochwasserschutzstrategien والتي تنقسم لثلاثة مراحل هي: إدارة المساحات المعرضة للفيضانات، التنبؤ والتخطيط المسبق ثم تقنيات مواجهة الفيضانات. وتعتمد هذه الإستراتيجية بدرجة أساسية على ورقة للإتحاد الأوروبي ( EU-Hochwasserrichtlinie ) تحث على إدارة المخاطر الناجمة عن الفيضانات ، وذلك من خلال تقييم حدة المخاطر في المناطق المختلفة والتخطيط المسبق المحكم للتعامل مع الخطر قبل وقوعه، فالأضرار التي لا يمكنك منعها يمكنك تقليلها .
ففي بعض المناطق تجهز مناطق تعرف بالسهول الفيضية والتي يُمكن توجيه مياه الفيضان إليها بدلاً من أن تفيض في مناطق سكنية مثلما حدث في نابل، وكذلك خطوات أخرى مثل تطوير شبكات قائمة على فصل مياه الصرف الصحي بحيث تبقى مياه الصرف الصحي منفصلة عن مياه الأمطار التي يُمكن أن تجري نحو أي مصب بصورة مباشرة دون الحاجة إلى أي معالجة بعد انتهاء السيول.

الحقيقة أن القائمة الخاصة بالإجراءات الوقائية طويلة إلا أن البروفسور شترومف يؤكد بأن أفضل إجراء لتقليل مخاطر الفيضانات هو التقليل من حجم التواجد البشري والنشاط الاقتصادي في تلك المناطق ، ولذلك لا بد من وجود محطات رصد جوي محترفة تُخّبر المواطنين بتوقيت حصول الفيضان في أسرع وقت ممكن و هو عكس ما حدث عندنا فللآسف في سنة 2018 و لا يزال معهد الرصد الجوي التونسي غير قادر على التنبؤ بهذا النوع من الكوارث, في حين أن الدول المتقدمة تتنبأ بالأعاصير أو السيول قبل أيام و حتى أسابيع من حدوثها لذلك وجب مراجعة شاملة و كلية للمنظومة قبل حلول فصل الشتاء لان إذا هذه المرة سقط 4 ضحايا فالمرة القادمة الحصيلة ستكون أثقل بكثير.

بقلم رئيس التحرير نزار الجويني


فيضانات نابل : خسائر تعاطف فاتهامات , أما بعد ??


عاشت تونس أمس على وقع الفيضانات الطوفانية و الغير مسبوقة التي عرفتها البلاد خاصة منطقة الوطن القبلي و تحديدا نابل التي عرفت الكارثة بوفاة 4 أشخاص نتيجة للارتفاع التاريخي لمنسوب المياه و التي لم تعرفه الولاية منذ ستينات القرن الماضي و لا تعتبر هذه الظاهرة الطبيعية أمر غير اعتيادي أو مستحدث إذا عَرفت تونس الفيضانات مُنذ القدم، مثلها مثل باقي بلاد العالم بما في ذلك الدول العظمة و المتقدمة ولكن لنبتعد قليل عن المشاعر و ردود الفعل التي تطغى عليها العاطفة فالحقيقة التي لا يمكن جدالها هي أنه مهما تطوّر العلم فإن مسألة منع الفيضانات هي مستحيلة حتى يومنا هذا، فلا "الحاكم التونسي" ولا حتى "الدول الصناعية" يمكنها منع الفيضانات، ويبقى الخيار الأفضل هو الإنفاق على تقنيات و أسلحة مواجهة الفيضانات كي نحد المخاطر الناجمة عن السيول . ولو تأملنا تونس عموماً و نابل خاصّة سنجد انه رغم شح الإمكانات فإن إتباع تدابير بسيطة يُمكن أن يمنع مخاطر كثيرة و يجنبنا في المستقبل ما حدث مؤخرا مثل: مشروع تنظيف شبكة المجاري التي خربت بفعل الزمن و لم يتم صيانتها منذ " الثورة " أو يمكننا إنشاء حوض لتجميع مياه الأمطار على غرار السدود والتي لا و لن تحتمل كميات أمطار هائلة مثل التي شاهدناها . 

ما إن عمّت الفيضانات نابل ، حتى انطلق البعض يلوم " الحاكم " بكل ما يحصل، ومع أن الجهات الرسمية مقصّرة في هذا المضمار و هذا واقع مرير تعودنا عليه و لن يتغير حتى في المستقبل البعيد إلا انه لا يمكن لومها وحدها على ما حدث و سيحدث للأسف، فالفيضانات ظاهرة طبيعية ومعروفة منذ فجر التاريخ و شهدت تونس الكثير منها على غرار فيضانات سنوات 1969 و 1986 و 2007 .

بلا شك فإن تونس و الدول النامية ليست وحدها المعرضّة للفيضانات فألمانيا مثلا كذلك شهدت الكثير من الفيضانات عبر تاريخها وفي عام 2002 غرقت مدينة درسدين في شرقي ألمانيا، الأمر الذي تسبب بأضرار هائلة ماديا و بشريا وبلغ عدد ضحايا الفيضان 38 شخصاً و في عام 2013 عرفت فيضانات عمّت مناطق متعددة في شرقي البلاد و راح ضحيتها وقتها 8 أشخاص و لا نستطيع القول أن بإمكان التقنيّات الألمانية المتطورة أن تمنع أي نوع من الفيضانات و السيول الجارفة ، فالواقع وكما يقول البروفيسور شترومبف من جامعة آخن التقنية، فإن الفيضانات هي ظاهرة طبيعية ولا يُمكن منعها ولكن بالإمكان التقليل من حجم مخاطرها إلى حد حصرها في الخسائر المادية الطفيفة و تفادي سقوط الأرواح البشرية و انهيار مؤسسات كبيرة لها مكانة اقتصادية هامة .

في ألمانيا يتم مواجهة الفيضانات فيما يُعرف بإستراتيجية مواجهة الفيضانات Hochwasserschutzstrategien والتي تنقسم لثلاثة مراحل هي: إدارة المساحات المعرضة للفيضانات، التنبؤ والتخطيط المسبق ثم تقنيات مواجهة الفيضانات. وتعتمد هذه الإستراتيجية بدرجة أساسية على ورقة للإتحاد الأوروبي ( EU-Hochwasserrichtlinie ) تحث على إدارة المخاطر الناجمة عن الفيضانات ، وذلك من خلال تقييم حدة المخاطر في المناطق المختلفة والتخطيط المسبق المحكم للتعامل مع الخطر قبل وقوعه، فالأضرار التي لا يمكنك منعها يمكنك تقليلها .
ففي بعض المناطق تجهز مناطق تعرف بالسهول الفيضية والتي يُمكن توجيه مياه الفيضان إليها بدلاً من أن تفيض في مناطق سكنية مثلما حدث في نابل، وكذلك خطوات أخرى مثل تطوير شبكات قائمة على فصل مياه الصرف الصحي بحيث تبقى مياه الصرف الصحي منفصلة عن مياه الأمطار التي يُمكن أن تجري نحو أي مصب بصورة مباشرة دون الحاجة إلى أي معالجة بعد انتهاء السيول.

الحقيقة أن القائمة الخاصة بالإجراءات الوقائية طويلة إلا أن البروفسور شترومف يؤكد بأن أفضل إجراء لتقليل مخاطر الفيضانات هو التقليل من حجم التواجد البشري والنشاط الاقتصادي في تلك المناطق ، ولذلك لا بد من وجود محطات رصد جوي محترفة تُخّبر المواطنين بتوقيت حصول الفيضان في أسرع وقت ممكن و هو عكس ما حدث عندنا فللآسف في سنة 2018 و لا يزال معهد الرصد الجوي التونسي غير قادر على التنبؤ بهذا النوع من الكوارث, في حين أن الدول المتقدمة تتنبأ بالأعاصير أو السيول قبل أيام و حتى أسابيع من حدوثها لذلك وجب مراجعة شاملة و كلية للمنظومة قبل حلول فصل الشتاء لان إذا هذه المرة سقط 4 ضحايا فالمرة القادمة الحصيلة ستكون أثقل بكثير.

بقلم رئيس التحرير نزار الجويني